تهافت المنظومة الأخلاقية / ديلول آل ديلول

حين تأفل شمس القيم في تيه الواقع والوقائع، تتناغم جرائم الإبادة وجرائر الفساد، في سمفونية جنائزية، لِــتـُسْـحَقَ كرامة الإنسان
كشفت ملفات «إبستاين» عن سقوطِ ما يُصطلح على تسميته اليوم بـ «النُّخَب» في مستنقعٍ سحيق من الاستغلال الفردي، كما عرَّى المشهدُ الدامي في غزة عجزَ النظام الدولي – بل التواطؤ المفضوح- أمام إبادة جماعية مشهودة. فتبدَّى لكل ذي بصرٍ أو بصيرة أنَّ العالم يرزح تحت وطأة أزمة قِـيَـمٍ عظمى؛ أبرز تجلياتها امتهانُ تحالف المال والسلطة للكرامة الإنسانية وطغيانهما عليها. وفي خضم هذا الارتهان، وبحبوحةِ ذلك الامتهان، تكشَّفَ لنا بشكلٍ جليّ أنَّ العدالة الإلهية تظل هي الأفقَ الرحب لصون الإنسان، في مقابل عدالةٍ بشريةٍ تتعثر، في الغالب، أمام بريق المال، وتترنحُ تحت سَطوة النفوذ. ولقد أردنا بالربط بين هذين الملفين الفارقين تجاوزَ سرد الوقائع إلى عقد مقارنةٍ بنيوية بين الانحلال الفردي والانهيار الجماعي، استدعاءً لوعيٍ جديد واستنهاضًا لضميرٍ عالمي يضمن محاسبةً شاملة. فبينما تبدو أزمةُ «الجزيرة المشؤومة»، للوهلة الأولى، فضيحةً أخلاقيةً فردية، يجد فيها الراصد اليقِظ مرآةً تعكس خَلَـلًا أوسع وأشنع؛ إنها وصمة عارٍ على جبين العالم المعاصر، تفضحُ نفاقَ «أدعياء حقوق الإنسان» وحُماة القُصَّر المزعومين. والحقيقة أن واقع الحال يغني عن المقال؛ فنحن نرى في كل ركنٍ من كوكبنا كيف يتقاطع الاستغلالُ الجنسي البشع مع الفساد المالي، وكيف يتجاور التلاعبُ بمصير الإنسان والإنسانية مع تدمير البيئة، في «لوحة شيطانية» تُظهر كيف يُسحَق الإنسانُ، أمام الملأ، بآلات النفوذ المتوحشة، وتُداسُ، بشكل سافرٍ، تعاليمُ الدين التي اعتبرتْ الكرامةَ البشريةَ أمانةً إلهية، وعدالةَ السماء حـقًّا لا يمحوه التقادم. ولعلنا حين نتأمل هذا المشهد المركَّب -من إبادةٍ مُرعبةٍ في غزة شاهدها الملايين، إلى ملفات الفساد المالي العالمي المتوحِّش، وصولًا إلى دمارٍ بيئي بطيء بالفعل، لكنه محتوم- نكتشفُ الحلقات المترابطة في مسلسل انهيار القيم التي كان يُفترض أن تحميَ البشرية من الطغيان. فأمام هذا «البنيان المرصوص» من شبكات الفساد، يبقى السؤال الوجودي الأهمُّ: متى ستتمكن البشرية من ترميم منظومتها الأخلاقية (الدينية-الإنسانية) لتواجه هذا التغوُّل الرهيب؟ أم أنها ستظل تدور في حلقة مفرغة من الفضائح والجرائم، بانتظار انتكاسةٍ لا نهوض بعدها؟ في تجاوز جلي لمستوى التنظير، لَحَظْنا تجلَّـىَّ هذا التهافُت للمنظومة الأخلاقية العالمية في انعكاسات معاصرة أضفت على الواقع الإنساني ملامحَ جديدةً؛ منتجةً، بذلك، أزمةَ ثقةٍ حادةً تجاه وداخل النخب الغربية والنظام الدولي الذي فقد، في نظر الكثيرين، بوصلتَه الأخلاقية. على أن الوضع لم يكن سيئا بالكُـلِِِّــيَّة، فقد برز، في مقابل هذا الانكسار النُّـخبوي، وعيٌ شبابي عالمي لافت، نجح في الربط بين الفساد الفردي والجرائم الجماعية، جاعلًا من احتجاجاته، في ذات الوقت، صرخاتِ غضب عاليةً وأدواتِ ضغطٍ أخلاقـيٍّ فاعلةً. ومن المفارقات المؤسفة أن المؤسساتِ العلميةَ والبحثية لم تَــنْــأَ بمكانتها وتاريخها عن هذا الوضع؛ حيثُ لم تنجح (بعض) الجامعات العريقة في تجاوز الامتحان الأخلاقي العسير، فألقتها إغراءاتُ التمويل المشبوه في وحل الانهيار الأخلاقي، وأبعدتها عن مقتضيات الموقف الإنساني النبيل؛ فغدت المعرفةُ ذاتُها على محك النزاهة. يفرض علينا استشرافُ المستقبل إعادةَ صياغة جذرية للعلاقة بين الدين والسياسة، سعيًا إلى إنتاج خطاب عالمي جديدٍ يَصِلُ وشائجَ الحقوق الإنسانية بالأخلاق الدينية في سياقٍ نضالي ذي بُعْدٍ أخلاقي أنساني واحد وموحِّدٍ. ويقتضي مثلُ هذا المسار ثورةً في منظومة التربية والتعليم والبحث العلمي والشؤون الدينية، من خلال ضبط آليات التمويل وسُبُلِه ومصادرِه، للتحرر من تغوُّل النفوذ المالي الوسخ، وضمانِ ظهورِ جيل جديد يتنفَّسُ ثقافةَ المساءلة، ويتنسَّم الشفافية توأمًا للمحاسبة باعتبارهما مرتكَزًا أساسًا لتشييد المستقبل. يتطلب العبورُ من هذا «التيه» إلى مستقرِّ الأمان صياغةَ استراتيجياتٍ للحلول تتسم بالشمولية؛ بدءًا ببعث الروح في الخطاب الأخلاقي الديني بربط النصوص الحيَّة بقضايا العدالة المعاصرة، مرورًا بالعمل على الإصلاح التشريعي الدولي بحيث تُرسى آلياتٌ مبتكرةٌ للمحاسبة تضع النخب في قائمة الأولويات، لتنتقل إلى الأفراد. ولا مناص، أثناء ذلك والتزامن معه، من غرس التربية الأخلاقية في صلب العملية التعليمية، ودعمِ الحركات الشبابية العابرة للحدود، لبناء سدٍّ فكري وعقلي وإنساني منيع أمام شبكات الفساد، وتكوين بنيةٍ إنسانية قادرة على استعادة كرامتها المهدورة. مجمل القول إن عالمَنا اليوم يواجه، في تأرجُحِه بين فضائحَ ذاتِ طابعٍ فرديٍّ كملفات «إبستاين» وأخرى ذات ملْمَحٍ جماعي كالإبادة في غزة، امتحانًا أخلاقيا غيرَ مسبوق؛ يُبينُ أنَّ العدالة البشرية وحدها لا تكفي، ولا يعوَّل عليها، فلا بدَّ من استعادة البعد الديني والإنساني لا باعتباره خيارًا بل لكونه ضرورةً للتأسيس، وضامنًا للاستدامة. فنحن، في حقيقة الأمر، أمام خيارين، لا نحسب أن لهما ثالثا: فإما أن نعيد بناء منظومة قيمٍ تُحصِّن الإنسان من طغيان المال والسلطة، وإما أن نبقى أسْرى هذه الحلقة المفرغة من الجرائر والجرائم، في مسرحٍ قذِرٍ تُسحَق الكرامة وتُمحَق العدالة. ولن يُكتَب المستقبل الواعدُ إلا بإرساء وعيٍ جديد، يربط الفرد بالجماعة، ويَـصِلُ الدين بالحقوق، ويوطِّدُ علاقةَ السياسة بالأخلاق، سبيلا إلى صياغة عالم أكثر عدلًا وإنصافًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين يكون الكفُّ أبلغ من الفعل / بقلم: دَيْلول آل دَيلول