حين يكون الكفُّ أبلغ من الفعل / بقلم: دَيْلول آل دَيلول

في موروثنا الثقافي الموريتاني، ترمز كلمة «اسْتَدْمِينْ» أو «الديْمينْ» إلى سيطرةٍ منقطعةِ النظيرِ على النفس، وسيادةٍ مكتملةِ الأركان على العواطف، وتحكُّمٍ رصين في رُدود الأفعال. فيشبه أن تكون هذه الظاهرةُ قرارًا واعيًا بِـعَـدَمِ منْح المُـسْتَـفِـزَّ لذةَ الاستجابة والاستمتاع بأثــرِ استفزازه. وعليه، يرتقي، بهذا المفهوم، من كونه امتناعًا سطحيًا، أو كَــفًّا عَرَضيًّا، إلى كونه تطبيقًا عَمَـلِـيًّا لِمَا يمكن أن نطلق عليه، حقيقةً أو مجازًا، «فلسفة الكَفِّ»؛ حين يتحول الامتناعُ من سكونٍ سَـلْـبِـيٍّ إلى فعل إرادي يقطع الطريق أمام كلِّ خصومة، ويمنحُ السكينة الباطنية ويحميها.

المثير والاستجابة

يُقاس رُشدُ الإنسان بقدرته على توسيع المسافة الفاصلة بين المثير والاستجابة؛ فحين تُلحُّ عليه غريزتُه للردِّ المتسرِّع على المثير أو الاستفزاز، يتدخل العقلُ في اللحظة الفاصلة، فيكبح الانفعال قبل أن يخرج عن السيطرة؛ ويبسط سلطانه على مواطن العاطفة ومكامن الانفعال فيما يعرف بـ"الكبح العلوي" الذي يمنع الإنسان من الاستدراج للمعارك الجانبية في تدبير واعٍ للموقف، من خلال "آلية الاعتراض" (Houdé, 2000).

الكف والاجتناب: محاولة للتأصيل

يصنِّف القرآنُ الكريم هذا النمطَ من «الترك» أو «الامتناع» أو «الاجتناب» أو «الإعراض» ضمن قِـيَـمِ الجوانح وأعمالِ القلوب الراقية. ومن أمثلة ذلك:

الكف عن التواصل

يجدُ هذا التجاهلُ الواعي تأصيلًا له في قوله تعالى واصفًا أصحاب السلوك الراشد: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ (القصص: 55)...

الصمت الوقائي

يتجلّى هذا المدلولُ في خطاب الحقِّ لمريم عليها السلام: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا﴾ (مريم: 26)...

الكف عن الفضول

ومن أبرز أمثلته قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًا﴾ (الحجرات: 12)...

الممانعة الوجدانية

قال الله تعالى ممتدحًا أهل الحلم والصفح: ﴿وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 134)...

الفعل الإرادي الحر

يعتبر استحضارُ مفهوم «استدمين» دعوةً لاستعادة حرية الاختيار. فالمرء لا ينسحب من الحياة حين يكفُّ، بل يختار نوعيةَ المعارك التي يليق به خوضُها، والسياقَ والطريقةَ؛ فالإرادةُ تظهر في «المنع» كما تظهر في «المنح»، والامتناع الإرادي الموثَّقُ بالوحي، والمؤيَّـدُ بالتجربة والعلم هو الطريقُ الأقصر والأمثلُ للتمتُّعِ بالسكينة في محيطٍ غاضب، وعالمٍ صاخب.

ومع عجزي، شخصيا، عن الوصول إلى هذا المستوى، فإن قناعتي ما تَـفْـتَـأُ تتعزز يوما بعد يوم، أن القوة الحقيقية تكمنُ، أحيانا، في القدرة على «تجنُّب الفعل» حين يندفع الجميع نحو الفعل، وفي الحفاظ على "المسافة العصبية" بين المثير والاستجابة باعتبارها الضامن الوحيد للرشد في عالمٍ مستنزِفٍ ذهنيا وروحيا. فخيارُ الكفِّ والاجتناب، ليس استسلامًا أو تسليما للساحة، بقدر ما هو ترفيعٌ لمستوى الفعل؛ لإثبات أنَّ كمال الإنسان لا يقاس بما يَصدرُ عنه من فضول، أو يُـثـيرُ من لغط، إنما بما يدفن من صغائرَ؛ فالسيادة الحقُّ هي امتلاكُ زمام النفس.

تعليقات